ابن الجوزي
55
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( وقعدوا ) يعني القائلين قعدوا عن الجهاد . قوله تعالى : ( فادرؤوا ) أي : فادفعوا ( عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) أن الحذر ينفع مع القدر . ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ( 169 ) قوله تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ) قرأ ابن عامر : قتلوا بالتشديد . واختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها نزلت في شهداء أحد ، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ، وحسن مقيلهم ، قالوا : ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا ، لئلا يزهدوا في الجهاد ، قال الله تعالى : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية " وهذا قول سعيد بن جبير ، وأبي الضحى . والثاني : أنها نزلت في شهداء بدر لما أفضوا إلى كرامة الله عز وجل وقالوا : ربنا أعلم إخواننا ، فنزلت هذه الآية والتي بعدها ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وهو قول مقاتل . والثالث : أنها نزلت في شهداء بئر معونة . روى محمد بن إسحاق عن أشياخ له ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث المنذر بن عمرو في سبعين رجلا من خيار المسلمين إلى أهل نجد ، فلما نزلوا بئر معونة ، خرج حزام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فلم ينظر فيه عامر ، وخرج رجل من كسر البيت برمح ، فضرب به في جنب حرام حتى خرج من الشق الآخر ، فقال : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة ، وقتل سائر أصحابه غير واحد منهم ، قال أنس بن مالك : فأنزل الله تعالى فيهم : " بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا ، فرضي عنا ورضينا عنه " ثم رفعت ، فنزلت هذه الآية : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ) . فهذا اختلاف الناس فيمن نزلت ، واختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقوال : أحدها : أن الشهداء بعد استشهادهم سألوا الله أن يخبر إخوانهم بمصيرهم ، وقد ذكرناه عن ابن عباس .